سيد جميلى

15

نساء النبي ( ص )

بداية أنفاس الحياة الأولى ، لكنها إرادة الله تعالى ومشيئته ، فإذا أراد الله تعالى شيئا لا يمكن أن يمنعه شيء . إن الصبي لم تبرح مخيلته طرفة عين صوت أبيه الذي لم يره ، وكم كان يود أن يراه ، وأن يكون عونا له على الأيام ، وأن يحظى بحنان الأبوة ، ودفئها . كما أن صدره النقي البريء تتصارع فيه مواجيد الشوق منذ ثماني عشرة سنة ، حيث لم ينس بل لا يزال ماثلا بإزائه في كل لحظة ذلك المنظر الرهيب المروع ، وهو يودع حشاه وفلذة كبده أمه في حفرة بالأبواء ، ومنذ تلك اللحظة وهو مكسور الخاطر ، مهيض الجناح ، مشغول بالهموم والأتراح ، تزايله الأفراح ولا تقاربه تسرية أو سلوان ، وهو في شرخ الصبا الذي يكون عادة محصنا ضد الهموم والأنكاد . ولذلك ولهذه الأسباب كان كثيرا ما يخلد إلى نفسه ، ويسرح بخواطره إلى تلك الأيام الخوالي الدارسة المنصرمة في حقبة منصرمة حيث كان في حضن أمه الدافىء بمكة ، ثم إذا به يصير في ديوان الحياة وحيدا كريشة في مهب الريح . ثم إن جده عبد المطلب كان شفوقا عليه ، مهموما لأجله ، إذ إنه كان يدرك تماما ما يجول بخاطر حفيده ، ويحتوي كيانه ويستولي عليه من أنكاد تصارعه ويصارعها ، وكم حاول الجد العجوز أن يمسح عن جبين حفيده لفحات الحزن والكآبة ، بنفحات الود والحدب والحنان ، وكم حاول أن يمسح عبرة الأشجان من عينيه الواكفتين اللتين قد كحلهما السهاد والأرق . لكن لم تقدر عاطفة الشيخ الطاعن على مدافعة هذه الهموم التي تدهم ، والنوائب التي تنوب ، والنوازل التي تنزل بعقوته ، وتلم بحجزته ، فقد كان الجرح غائرا ، والألم مبرحا ممضا ، لكن شبح المنية رفرف بجناحيه مرة أخرى على بيت